السلمي
25
تسعة كتب في اصول التصوف والزهد
كلّ خير ، وعليك بالجهاد فإنه رهبانية المسلم » « 1 » . إن الإسلام لم يحث المؤمن على ترك الدنيا وإنما حثّه على سد حوائج النفس الضرورية وتطهير القلب ، وحثه على إعطاء كل ذي حق حقه ، حثه على أن يقوم بواجبه تجاه ربه مع عدم الإهمال لواجبه تجاه أهله ومجتمعه . لم يخلق هذا العالم ليتنعم به الكافر فقط دون المؤمن ، بل المؤمن أحق بنعم الدنيا من الكافر ، إذ يقول سبحانه وتعالى : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ « 2 » . ويقول أيضا : وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا . وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ « 3 » . إنما القدوة الحسنة لكلّ إنسان على وجه الأرض هي الرسول صلى اللّه عليه وسلم . إنه عاش كسائر البشر : أكل ، وتزوج ، وخلّف ، وجاهد ، وفي نفس الوقت لم يتخلف في يوم من الأيام عن القيام بصلوات النهار والليل ، وعن التهجد ، والذكر آناء الليالي ، وعن الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان في كلّ سنة . فعمّر آخرته كما عمّر دنياه ، قام بمواجبه تجاه ربه كما قام بمواجبه تجاه نفسه ، وأهله ، وقومه . وسار أصحابه على نهجه ، واتبعوا أثره .
--> ( 1 ) انظر : مسند ابن حنبل : 3 / 82 ، 6 / 58 ، والترمذي ، دعوات 45 ، وابن ماجة ، مقدمة 6 ، والدارمي ، مقدمة 19 . ( 2 ) سورة الأعراف : 32 . ( 3 ) سورة القصص : 77 .